الشيخ محمد رشيد رضا

301

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الخلق ، والاتقان للصنع ، لا يمكن أن يكون من العبث والباطل ولا يمكن أن يفعله الحكيم العليم لهذه الحياة الفانية فقط ، كما أن الانسان الذي أوتى العقل الذي يفهم هذه الحكم ، ودقائق هذا الصنع ، وكلما ازداد تفكرا ، ازداد علما ، حتى أنه لاحد يعرف لفهمه وعلمه ، لا يمكن أن يكون وجد ليعيش قليلا ثم يذهب سدى ، ويتلاشى فيكون باطلا ، بل لا بد أن يكون باستعداده الذي لا نهاية له قد خلق ليحيا حياة لا نهاية لها ، وهي الحياة الآخرة التي يرى كل عامل فيها جزاء عمله ، ولهذا وصل الثناء بهذا الدعاء ، ومعناه : جتبنا السيئات ، ووفقنا للأعمال الصالحات ، حتى يكون ذلك وقاية لنا من عذاب النار ، وهذه هي نتيجة فكر المؤمن قال : ثم إنهم بعد أن يصلوا بالفكر مع الذكر إلى بقاء العالم واستمراره لأن نظامه البديع لا يمكن أن يجعله العليم الحكيم باطلاأى لا في الحال ولا في الاستقبال ) وبعد أن يدعوا ربهم أن يقيهم دخول النار في الحياة الثانية ، يتوجهون اليه قائلين ( رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ) أي إنهم ينظرون إلى هيبة ذلك الرب العلي العظيم الذي خلق تلك الأكوان المملوءة بالاسرار والحكم والدلائل على قدرته وعزته فيعلمون أنه لا يمكن لأحد أن ينتصر عليه ، وأن من عاداه فلا ملجأ ولا منجا له منه الا اليه ، فيقرون بأن من أدخله ناره فقد أخزاه اى إذ له وأهانه ( وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ) وصف من يدخلون النار بالظالمين تشنيعا لاعمالهم وبيانا لعلة دخولهم فيها ، وهو جورهم وميلهم عن طريق الحق ، فالظالم هنا هو الذي يتنكب الطريق المستقيم لا الكافر خاصة ، كما قال بعض المفسرين فان هذا التخصيص لا حاجة اليه ، ولا دليل عليه ، وانما سببه ولوع الناس باخراج أنفسهم من كل وعيد يذكر في كتابهم ، وحمله بالتأويل والتحريف على غيرهم ، كذلك فعل السابقون ، واتبع سننهم اللاحقون ، فكل ظالم يؤخذ بظلمه ، ويعاقب على قدره ، ولا يجد له نصيرا يحميه من أثر ذنبه . قال : ثم إنهم بعد التعبير عما أثمره الفكر والذكر من معرفة اللّه تعالى وخشيته ودعائه عبروا عما أفادهم السمع من وصول دعوة الرسول إليهم واستجابتهم له وما